ابن بسام

126

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وعلى أيّ حال كان مجموعنا هذا ، فيشرّفه شرف من له يجمع ، وإلى يده العليّة يرفع ، فمسّته يمناه ، ولحظته عيناه . فلو كان صمصام عمرو لسواه ، ما انتهى من الذّكر منتهاه ؛ ولولا حاجب ابن زرارة ما ذكرت قوسه ، ولولا حبيب ما عرف أوسه ، وإنما عرف الطّور بالكليم ، وشرف المقام بإبراهيم . ومن كلامه في صدر كتابه المترجم ب « أعلام الكلام » فصل يقول فيه : قد أطلت [ 1 ] الوقوف بالعكوف ، على غير ما تصنيف ، في شتّى الأنواع ، فلم أرها إلّا ولدا عن والد ، وطارفا عن تالد ، فلا تكاد تريك غريبة ولا شاردة إلّا منقولة ب « حدثني فلان ، وسمعت عن فلان » ، والمؤلّفون قصاص بأقلامهم ، وإن لم يقصّوا بكلامهم ، وقد تكرّرت تواليفهم على الأبصار والأسماع ، والمكرّر مملول بالإجماع ، وللنّفس صبابة بالغرائب ، وإن لم تكن من الأطايب ، لانفرادها عمّا سئمته القلوب ، وتجافت به الجنوب ؛ إلّا أن الابتداع والاختراع عليهما [ باب ، بينه ] وبين الاستطاعة حجاب . وقد كنت حاولت منه ما لم أسبق إليه ، ولم أجعل سوى ناظري معيني عليه ، فصنّفت الكتاب الملقّب ب « أبكار الأفكار » ، يشتمل على مائة نوع من مواعظ وأمثال ، وحكايات قصار وطوال ، مما عزوتها إلى من لم يحكها ، وأضفت نسجها إلى من لم يحكها ، قد طرّزت / بلمح الجدّ والهزل ، وحسّنت بمقابلة الضدّ للمثل ، ليس في ذلك كلّه [ رواية ] رويتها عن قديم ولا جديد ، ولا حدّثت بها عن قريب ولا بعيد . وقد رفعت إليه البكر ، ابنة الفكر ، في هودجها الفرج ، وجلبابها الأرج ، وأنت الكفؤ الكريم ، وأشرف من أهدي إليه الحريم ، الذي لا يشوبه التّحريم ، وعلى كرمك القبول ، وما أهداه الودّ فمقبول . فلمّا وصل الكتاب والخطاب إلى المعتضد لم يجد بدا من إنفاذ صلته إليه على البعد ، وراجع ابن شرف برقعة من إنشاء ابن عبد البرّ أيضا ، قال فيها : ورد كتابك الأثير ، فاقتضبت من النثر البديع ، والنّظم الرّفيع ، ما يهزّ أعطاف الضمائر ، ويسري في حواشي الخواطر ، وتتلقّاه النّفوس تلقّي ارتياح إلى بدائعه ، وفتنة بمباديه ومقاطعه ، ولا غزو ، فإنّك علم العلم الذي لم يزل يحوي قصب السّبق في ميادينه ، ويهدي اليانع الغضّ من رياحينه . وقد كان لي نزاع إليك ، وحرص عليك ، وتصوّر للأنس بك ، لولا من جلا لك الغشّ في بعض النصيحة إذ حسد ، ولم يشكّ فيما ترد عليه من صلاح الحال فلم يأل أن أفسد . ولا بدّ لعقارب الحسدة من دبيب « وما كلّ مؤت نصحه

--> [ 1 ] ص : أطلب .